فخر الدين الرازي
32
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي اللَّه عنه : نكاح الأخت في عدة الأخت البائن جائز ، وقال أبو حنيفة رحمة اللَّه عليه : لا يجوز . حجة الشافعي : أنه لم يوجد الجمع فوجب أن لا يحصل المنع ، إنما قلنا : إنه لم يوجد الجمع لأن نكاح المطلقة زائل ، بدليل أنه لا يجوز له وطؤها ، ولو وطئها يلزمه الحد ، وإنما قلنا : انه لما لم يوجد الجمع وجب أن لا يحصل المنع ، لقوله تعالى بعد تقرير المحرمات : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [ النساء : 24 ] ولا شبهة في انتفاء جميع تلك الموانع ، إلا كونه جمعا بين أختين ، فإذا ثبت بالدليل أن الجمع منتف وجب القول بالجواز . فإن قيل : النكاح باق من بعض الوجوه بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة عليها . قلنا : النكاح له حقيقة واحدة ، والحقيقة الواحدة يمتنع كونها موجودة معدومة معا ، بل لو انقسمت هذه الحقيقة إلى نصفين حتى يكون أحدهما موجودا والآخر معدوما صح ذلك ، أما إذا كانت الحقيقة الواحدة غير قابلة للتنصيف كان هذا القول فاسدا . وأما وجوب العدة ولزوم النفقة ، فاعلم أنه ان حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها ، وهذا لا ينتج أنه حصلت القدرة على حبسها للنكاح ، لأن استثناء عين التالي لا ينتج ، فبالجملة : فاثبات حق الحبس بعد زوال النكاح بطريق آخر معقول في الجملة ، فاما القول ببقاء النكاح حال القول بعدمه ، فذلك مما لا يقبله العقل ، وتخريج أحكام الشرع على وفق العقول ، أولى من حملها على ما يعرف بطلانها في بداهة العقول ، واللَّه أعلم . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمة اللَّه عليه : إذا أسلم الكافر وتحته أختان اختار . أيتهما شاء وفارق الأخرى . وقال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه : ان كان قد تزوج بهما دفعة واحدة فرق بينه وبينهما ، وان كان قد تزوج بإحداهما أولا وبالأخرى ثانيا ، اختار الأولى وفارق الثانية ، واحتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بقوله : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ قال : هذا خطاب عام / فيتناول المؤمن والكافر ، وإذا ثبت أنه تناول الكافر وجب أن يكون النكاح فاسدا ، لأن النهي يدل على الفساد ، فيقال له : انك بنيت هذا الاستدلال على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وعلى أن النهي يدل على الفساد ، وأبو حنيفة لا يقول بواحد من هذين الأصلين ، فان قال : فهما صحيحان على قولكم : فكان هذا الاستدلال لازما عليكم فنقول : قولنا : الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لا نعني به في أحكام الدنيا ، فإنه ما دام كافرا لا يمكن تكليفه بفروع الإسلام ، وإذا أسلم سقط عنه كل ما مضى بالإجماع ، بل المراد منه أحكام الآخرة ، وهو أن الكافر يعاقب بترك فروع الإسلام كما يعاقب على ترك الإسلام ، إذا عرفت هذا فنقول : أجمعنا على أنه لو تزوج الكافر بغير ولي ولا شهود ، أو تزوج بها على سبيل القهر ، فبعد الإسلام يقر ذلك النكاح في حقه ، فثبت أن الخطاب بفروع الشرائع لا يظهر أثره في الأحكام الدنيوية في حق الكافر ، وحجة الشافعي : أن فيروز الديلمي أسلم على ثمان نسوة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « اختر أربعا وفارق سائرهن » خيره بينهن ، وذلك ينافي ما ذكرتم من الترتيب واللَّه أعلم . المسألة الخامسة : قوله تعالى : إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ فيه الأشكال المشهور : وهو أن تقدير الآية حرمت عليكم أمهاتكم وكذا وكذا الا ما قد سلف ، وهذا يقتضي استثناء الماضي من المستقبل ، وإنه لا يجوز ، وجوابه بالوجوه المذكورة في قوله : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ والمعنى أن ما مضى مغفور بدليل قوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ؟